مؤسسة آل البيت ( ع )

191

مجلة تراثنا

إن ما نعنيه هو أن أية نهضة نريدها للأمة المسلمة ، لا يمكن أن تتحقق من خلال تراث غير تراثها ، فلا بد أن تنتظم الأمة في داخل تراثها الخاص ، ومن ثم تسعى لإغناء مسيرتها ، باستيعاب ما هو إنجاز إنساني عام ، من معطيات العلوم والمكتشفات الطبيعية للأمم الأخرى ، لأن العلم إرث إنساني عام لا يخص أمة دون أخرى ، ولا يملكه مجتمع ملكية خاصة ، فالعلم لا يرتبط بشعب معين ، ولا يعبر عن مرحلة تاريخية خاصة ، ولعل مراجعة سريعة لتاريخ العلم ، ترينا كيف أن البشرية بمجموعها كان لكل شعب فيها مساهماته الكبيرة في تطوير حركة العلوم والاكتشافات . تأسيسا على ما سبق يتضح أن أية نهضة لا تتحقق إلا باحتضان الأمة لتراثها واكتشافها لذاتها ، ومحاولة التواصل مع الآخر ، واستيعاب ما هو إنجاز بشري عام ، لم تأطر بإطار قومي أو إقليمي خاص . أما كيف يتاح للأمة أن تكتشف ذاتها وتحتضن تراثها ؟ فإن ذلك لن يتم إلا بأن تتعامل الأمة بشكل مباشر مع تراثها ، عبر إحياء هذا التراث ، ونفض الغبار الذي تراكم عليه سنوات مديدة ، ولا بد أن تتجنب أية محاولة للعبور إلى التراث بواسطة أطراف وأدوات أخرى غريبة عنه ، كما ربما يحاول البعض من المنبهرين بالغرب ، بتعاطي مقولات ونظريات التراث في ضوء أدوات غريبة عنه . لقد تخلت أوروبا منذ عصر النهضة عن التعامل مع أرسطو من خلال ابن رشد ، وانفتحت على تراثها اليوناني القديم مباشرة ، وسعت سعيا حثيثا لاكتشاف الأصول اليونانية لكل ما لم يصلها مباشرة من التراث اليوناني ، أي ما وصلها بواسطة المسلمين ، وتلقت هذا التراث من دون وسيط ، وتخلت عن ابن رشد وغيره من المفكرين المسلمين كوسطاء في تلقي تراثها . إن علامة ابن رشد الأمة ، وتوازن حركتها التاريخية ، هو قدرتها على قراءة تراثها ، واكتشافه ، واستنطاقه ، واستلهام منابع القوة والفعالية فيه ، بشكل مباشر